سيد محمد طنطاوي
22
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أصحابه أن هذين اللفظين يدخلهما الاشتقاق والتصريف : « فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان : أحدهما بالعبرية ، والآخر بالسريانية ، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقهما على أوزان لغة العرب ، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث » « 1 » . وقوله * ( مِنْ قَبْلُ ) * متعلق « بأنزل » و « هدى » حال من التوراة والإنجيل ، ولم يثن لأنه مصدر . ويجوز أن يكون مفعولا لأجله والعامل فيه أنزل . أي : وأنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن لأجل هداية الناس الذين أنزلا عليهم إلى الحق الذي من جملته الإيمان بالنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم واتباعه حين يبعث ، لأنهما قد اشتملتا على البشارة به والحض على طاعته . قالوا : فالمراد بالناس من عمل بالتوراة والإنجيل وهم بنو إسرائيل . ويحتمل أنه عام بحيث يشمل هذه الأمة وإن لم نكن متعبدين أي مكلفين ومأمورين بشرع من قبلنا ، لأن فيهما ما يفيد التوحيد وصفات الباري والبشارة بالنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « 2 » . قال الآلوسي : وعبر في جانب التوراة والإنجيل بقوله « أنزل » للإشارة إلى أنهما لم يكن لهما سوى نزول واحد ، بخلاف القرآن فإن له نزولين : نزولا من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة ، ونزولا من ذلك إليه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم منجما في ثلاث وعشرين سنة على المشهور ، ولهذا يقال فيه نزل وأنزل . . . » « 3 » . هذا ، وليست التوراة التي بين أيدي اليهود اليوم هي التوراة التي أنزلها اللَّه على موسى ، فقد بين القرآن في أكثر من آية أن بعض أهل الكتاب قد امتدت أيديهم الأثيمة إلى التوراة فحرفوا منها ما حرفوا ، ومن ذلك قوله - تعالى - يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . وقوله : - تعالى - فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه ونَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِه . ومن الأدلة على أن التوراة التي بين أيدي اليهود اليوم ليست هي التي أنزلها اللَّه على موسى : انقطاع سندها ، واشتمالها على كثير من القصص والعبارات والمتناقضات التي تتنزه الكتب السماوية عن ذكرها « 4 » .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 171 ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 76 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 76 ( 4 ) راجع ما كتبناه في ذلك « بنو إسرائيل في القرآن والسنة » ج 1 من ص 86 - 93 .